جمال الدين بن نباتة المصري
8
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ما كنت لأتخطّى المسك إلى الرّماد ، ولا أمتطى الثّور بعد الجواد ، فإنّما يتيمّم من لم يجد ماء ، ويرعى الهشيم من عدم الجيم ، ويركب الصّعب من لا ذلول له ، ولعلّك إنّما غرّك من علمت صبوتى إليه ، وشهدت مساعفتى له ، من أقمار العصر ، وريحان المصر ، الّذين هم الكواكب علوّ همم ، والرّياض طيب شيم من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم * مثل النّجوم الّتى يسرى بها السّارى فحنّ قدح ليس منها ، ما أنت وهم ؟ وأين تقع منهم ؟ وهل أنت إلّا واو عمرو فيهم ، وكالوشيظة في العظم بينهم ! وإن كنت إنما بلغت قعر تابوتك ، وتجافيت عن بعض قوتك ، وعطّرت أردانك ، وجررت هميانك ، واختلت في مشيتك ، وحذفت فضول لحينك ، وأصلحت شاربك ، ومططت حاجبك ، ورفّعت خطّ عذارك ، واستأنفت عقد إزارك ، رجاء الاكتنان فيهم ، وطمعا في الاعتداد منهم ، فظننت عجزا ، وأخطأت استك الحفرة . واللّه لو كساك محرّق البردين ، وحلّتك مارية بالقرطين ، وقلّدك عمرو الصّمصامة ، وحملك الحارث على النّعامة ، ما شككت فيك ، ولا سترت أباك ، ولا كنت إلّا ذاك . وهبك ساميتهم في ذروة المجد والحسب ، وجاريتهم في غاية الظّرف والأدب ، ألست تأوى إلى بيت قعيدته لكاع ، إذ كلّهم عزب خالى الذّراع ! وأين من أنفرد به ممّن لا أغلب إلّا على الأقلّ الأخسّ منه ! وكم بين من يعتمدنى بالقوّة الظّاهرة ، والشّهوة الوافرة ، والنّفس